نشرة حظوة
الكاتبة: أروى لافي
- 29 أكتوبر، 2025
العدد الثالث: خلف كل كتاب عظيم أم قارئة

لُغوياً يُنسب الجهل بالقراءة والكتابة للأم فيُقال: هو أُمِّي، ويعيد المفسرون وصف النبي عليه الصلاة والسلام بالأمِّي إلى كونه عربي من أمَّة أمية لا تقرأ ولا تكتب ولم يتنزل عليها كتاب، ومنهم من ينسبُ وصفه بالأمَّي إلى كونه من أمِّ القرى، والأمَّهات في اللغة كُثر منهنَّ أمُّ النجوم وهي السماء، وشاهدُها من شعر تأبَّط شراً:
يرى الوَحشةَ الأُنسَ الأنيس ويهتدي
بحيث اهتدت أُمُّ النجومِ الشّوابكِ
وكما قال الخليل في كتاب مقاييس اللغة للصاحبي فـ⟨إن كل شيءٍ يُضم إليه ما سواه مما يليه فإن العرب تسمِّي ذلك الشيء أُمَّاً⟩ فماذا لو أُضيف لكلمة أم معنى القراءة؟
بعيداً عن الأضواء:
عمِلتُ مرةً على كتابة محتوى في بودكاست جُرمٌ صغير المخصص للكتَّاب الناشئين والمدوِّنين وكان عنوانُ الحلقة: (الأُلفة مع الكتابة والتنظيم) وضيفة الحلقة مها البشر، وهي مهتمة بتقديم محتوى للأمهات كونها واحدة منهم، وذكرت في خِتام الحلقة أنها تحتفظ برزمة من حوار متكرر بينها وبين الأمهات التي تلتقي بهم في حياتها أيَّاً كانت أعمارهم، وهذا الحوار الذي تحرص على أن لا تفوِّته يبدأ بسؤال: ماذا تفعلين بعد أن ينام أطفالك ويهدأ البيت وتكونين أميرة نفسك؟ وذات مرة سألتْ أمَّاً كبيرة هذا السؤال فما كان منها إلا أن أخذت بيدها تقودها إلى البلكون؛ لتجده وقد تحول إلى حديقة صغيرة معلقة في الهواء فقد كان الجواب أنها تمتهن الزراعة ورعاية النباتات في الوقت الذي يغطُّ فيه أطفالها في نومٍ عميق.
وقد تجدد السؤال هذه المرة مني في حظوة بمناسبة موضوع النشرة ولكنه اختلفَ نزراً يسيراً ليتلائم أكثر مع نشاط الأم في الصباح، لم أكتفِ بأن أطرق وقت الأم ليلاً لتخبرني ماذا تفعل؟ بل طرقته عند الساعة السابعة بعدما يذهب أبناؤها إلى المدرسة؛ ليكون السؤال: ماذا تفعلين بعدما يخلوا لك المنزل ممن يجتذبون وقتك ويمزِّقون رقعة التركيز التي تحتفظين بها أيسر دماغك؟ فالتركيز كما تخبرني صديقتي تماضر أول مهارات ضبط الذات تأتي بعدها مهارتي تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، وإليكم ملخَّص الإجابات: تخبرنا خلود أنها تتأمل الغيوم في السماء والمارة في الشارع بعدما تتأكد أن البيت في حال مستقر وليس هناك ما يستحثُّها للإلتفات والترتيب، أما ليلى فإنها تترقى في مراحل فقدان الذات وذوبانها في السعادة مع مكالمة طويلة مع أمها ومن مميزات هذه المكالمة أنها خالية من المقاطعة، أما تماضر فإنها تستمتع بممارسة الأنا كما يحلو لها من خلال إفطار شهي مع صديقة أو فنجان شاي مع كتاب لتنتعش وتكون لها بقية معتبرة أمام نفسها قبل أن يبتلعها ضمير نحن مع الظهيرة، أما رُبى فإنها تُبدِّد صباحها بين مهام المنزل وبين برنامجها المحبب في تقديم الاستشارات الزوجية للآخرين، أما رغد فإنها تدع المنزل ليسكُن قليلاً وتذهب إلى دور التحفيظ لتعمرها بالتلاوة وهي مع ذلك تتابع إنجاز أعمالها عن بعد استغلالاً للوقت، أما صالحة فإنها تستقبلُ بنات الأمهات في المدرسة لتسلُك بهنَّ طريق العلم المفضي إلى الجنة إن شاء الله، أما دلال فإنها مساعد إداري يُراقب الحدث ويوثَّق الحضور في نظام نور ويتفقد الغياب بالإتصال على ربَّات البيوت والاطمئنان على حال بناتهن، أما بدرية فإنها تغفو غفوات متقطعة لا تنعم فيها بالراحة الكاملة فيما قلبها يترقب عودة أبناءها إليها، ولا يفوت تماضر أن تدس في شنطة ابنها كتاباً قصصياً ليقرؤه في أوقات الفراغ بين الحصص، وتلتقي بجاراتها مرة في الأسبوع في مكتبة إثراء وهي بذلك تزمُّهم إلى ما تُحب كما تزمُّ أمُّ النجوم الضياء لتُشكِّل القمر.
نعمة الأم القارئة:
ثقل المسؤولية سرعان ما يغتال أي شعور بالفرح حسب تعبير غازي القصيبي وهو بذلك لا يعني دور الأم بكل تأكيد وإنما يعني أي دور إداري في العموم، وكثيرةٌ هي الأدوار التي تشغلها الأم في منزلها بدءاً بعنايتها في نفسها أيام الحمل والرضاعة وانتهاءً عند تغذية أبناءها بما يلزم أجسادهم من طعام وما يلزم نفوسهم من كلام، ولا يوجد في لستة الأمومة ما ينص على أن تكون الأم قارئة وأدنى المأمول هو أن تكون مهتمَّة ومتعلمة للحروف الأبجدية وحساب الأعداد الأولية كي تنقذ أبناءها من التعثر الدراسي، وماذا بعد ذلك؟ لا توجد إجابة واضحة، ومع أن القراءة فعل انعزالي وتغييبي إلا أنه يصبحُ فنّاً مرتبطاً بالأمومة حين تجعل الأم المتطورة القراءة مصدر حضور لها في حياة أبناءها، فأثرها قائم على اتصالها بالعالم المحيط إن ارتبطت به ولا وجود لها إن انفصلت عنه، تجلس على ضفّة الكتاب، فتغترف هدوءًا تسكبه في قلوب صغارها كل صباح، تفتح صفحات الوعي فتبصر اختلاف شخصياتهم وتحضن تنوّعهم وتتقبل قصورهم كحديقةٍ لا تتشابه أزهارها، تتسلّل من بين السطور وصفة صحية، فتصير على المائدة حبًّا يُغذّي الجسد والروح معًا، وفي علاقاتها تغدو قدوةً ملهمة كتابًا حيًّا يتعلّمون منه اللطف والاحترام، هي تقرأ وتصبح قصّةً جميلة يقرؤها أطفالها كل يوم، فهي خليقةٌ بأن تكون كتاباً على أرفف قلوب أبنائها، كتابٌ يحوي فصولاً من الحكمة ومجلدات من الصبر فحين يضطرب البيت تردُّ بتفهُّم وتقرأُ وجوه أبنائها بتمعّن لا بعجلة، وتمنح نفسها فرصة للتأمل كي لا تكون جزءًا من الفوضى، تؤمن أن كل أزمة لها نهاية وجذور كل مشكلة لا تُقتلع بالصراخ والقمع بل بالتفهم وبداية الحل هو وقت مناسب للكلام، فهي على كل حال لا تدعي أنها شخصٌ خارق وإنما هي في أبهى تجلياتها وتضحياتها شخص يدخل نفقاً مظلماً لكن معه حقيبة طوارئ وكشاف نور ومعلومات ممن سبقوه ليجتاز النفق المشوب بالصعوبات فيخرج من كهف القراءة الغامض ومن كهف المجتمع العاصف بتصور عام لعالم الأفكار المثالي دون أن يؤثر ذلك في طريقتها الواقعية التي اختارتها لتقديم أفكارها بما يتناسب مع ما يريد أبناؤها سماعه احتياجاً لا مبالغة في رضاهم؛ الأم القارئة هي من تختلق لنفسها تجربتها الخاصة وتُفسح لأبناءها أن يعبروا ممر التربية الذي صنعته لهم بكل جهد وتفانٍ دون أن تسلبهم الحق في أن يمتلكوا صوتهم الخاص.
رسالة للأمهات الجدد | من تماضر السريع:
صغيرك الذي ينمو في أحشائك على ترانيم صفحات كتبك عندما تقلبينها سيخرج على الدنيا وهو يعتقد أن ذلك الكتاب جزءاً من أطرافك؛ سينتابه الفضول في شهوره الأولى ليعرف ذلك الإمتداد من جسدك القابل للتغيير والتجدد بألوانه ونقوشه وخطوطه المختلفة، سيتناوله ليشبع ذلك الفضول وربما تمتد الجرأة لوضعه في الفم ليتعرف على شعور اللذة الذي ينتاب أمه عندما تمسك بذلك الشيء، سيكبر ويقرأ في تعابير وجهك الإنغماس والحب لذلك الكتاب وتتملكه الغيرة ممن يزرع البهجة والمتعة في أمه بعيداً عنه، سيدخل في نوبات غضب من ذلك الكتاب الذي يسرقك منه فيُحدث الفوضى حولك لينتزعك من ذلك الإنغماس وسيدهشك بأفكاره وتساؤلاته التي يطرحها لعملية التشتيت.
الإستسلام أو الثبات أيهما تختارين سيقبله! أخبريه أن كتابك يشبه ألعابه لاتسمحين بأن يعبث بها أحد، وأنك تغضبين عندما تُحرمين من الإستمتاع فيه، وهذا أول درس في رسم حدودك الشخصية التي لابد أن تُحترم وأن القراءة احتياج يشبه الطعام والشراب لابد من وجبة لذيذة منه في يومك.
توصية كاتبة النشرة:

مكتبة مجلس حظوة الافتراضي: للإنضمام

جولات حظوة: للإنضمام

إيميل التواصل الخاص بإدارة النشرة:
ha**********@ha****.com
التعليقات

