نشرة حظوة
الكاتبة: أروى لافي
- 20 يوليو، 2025
العدد الأول: من الظهران هنا القصيم

انتشرت عبارة شهيرة في سنة 1956 على لسان عبد الهادي بكار عندما تحطمت محطة الإذاعة المصرية آنذاك؛ ليفتتح اليوم الثاني نشرته الإذاعية في سوريا قائلاً: من دمشق هنا القاهرة، ولم تفنى حاجة المجتمع العربي إلى هذا الحِس التآلفي حتى اليوم، فلا يكاد يسقط جدارُ بيتٍ في مدينة جريحة إلا وتجد من يشدُّ ساعديه ليُسندَ هذا الجدار في مدينة أخرى بمقولة: من هناك هنا أنتم! وهلمَّ جرَّا، فالأمثلةُ كثيرة وبما أنني صحفيَّةُ هذا اليوم وناقلةُ خبرِ الأمس فإليكم القصة:
ستُبْدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جاهلاً
ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوِّدِ
ويَأتِيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تَبِعْ له
بَتاتًا ولم تَضْرِبْ له وقتَ مَوعِدِ
البداية: قصة أول مجلس
في سنة ٢٠١٦ انتقلت رغداء السلامة إلى مدينة الظهران بعد أن استدارت بظهرها عن القصيم واستقبلت جمود الحياة ووحدتها في الظهران، أكلت مشاعرُ الغُربةُ من وقتها وغاب عنها أهلُها فلم يكن ذلك هيِّنا على قلبها فلجأت إلى الانخراط في أجواء المكتبة وصحبة الكتب مجدداً إلى أن تسربت في روحها فكرة أن تكون قارئة ذات صوت مسموع، فصحبة الكتاب لا تغني عن صحبة الإنسان، منذ ذلك الحين اتخذت قراراً شجاعاً بتأسيس نادي قراءة مصغر بدافع “رحلة البحث عن رفيق الغربة والقراءة” مما دعاها يوماً -سنة ٢٠٢٢- إلى استقبال جموع من الجارات في بيتها الصغير في الظهران لا تعرفُ منهن إلا أنهن نساء مثلها، تصافحت الأيدي بألفة مُعلنة عن حاجة الإنسان لأخيه الإنسان، وكان هذا الحدث مزامناً لفك الحظر في أزمة كورونا الذي انتقل العالم بعدها من القاعدة الإحترازية “لا مساس” إلى قاعدة “التوسع والإنطلاق” وأثناء سماعي لحديث رغداء عن المجلس التعارفي الأول الذي ضم ١٢ جارة، شعرتُ بالجميع وهو يحتضن بعضه الآخر حضناً داخلياً يذوِّب الفروقات العُمرية والشكلية والمعيشية، هنا حيث الكتاب موطنٌ فاضلٌ يقصدُه الجميع ليكتفي به عالماً نقيَّاً يصدحُ بصوت الفكر والمعرفة لا غير، وبعد أشهر من الاستقبال المتكرر للقارئات في بيت رغداء دارت المجالس في البيوت حباً في تطبيع فعل القراءة ليلج كل مكانٍ محبب ويرقى به، وشارك في استقبال القارئات الأم والأخت وأصبح مجلس القراءة حدثاً عائلياً تظهر فيه صفة الكرم العربي والجوار الحَسن واصطفاء الخُلَّة والضيافة المنبسطة؛ لهذا تمت تسمية هذه المجالس بـ”حظوة” وفي ٢٠٢٤ توسعت المعارف وتوطَّدَت عُرى القرابة وأسهمت في انتشار هذا المشروع لتكون “الغُربة” سبباً في “الوصل” بين الظهران والقصيم والرياض ومكة وجدة والمدينة والجبيل، وكأن سكة المعرفة تجاوزت حدود الغرفة المغلقة لتحتضن المدن وتمر بها وتنفتح على العالم، مما أنتج استنساخا فرعياً لهذا المشروع المبهج انتقلت فيه مجالس حظوة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الازدهار، ومن المكان الخاص إلى المكان العام، ومن الحضور الحسي إلى توثيق منجزات الحظوات في موقع “مجالس حظوة الإلكتروني”.
الوجهه: المكتبة
قبل ١٤ سنة أصدر الرحالة القصيمي -عليه رحمة الله- محمد بن ناصر العبودي كتابه “رحلة من بريدة إلى الظهران” وتدور أحداث هذه الرحلة قبل ٦٠ سنة من تأليف الكتاب، هل تعلم كيف هو شكل الحياة في ذلك الوقت؟ وكيف هي طريقة السفر آنذاك؟ وما هي أهم احتياجات المسافر التي أشار إليها العبودي؟ حسناً بما أنني قرأت هذا الكتاب بكل حب وحنين فإني سأختصر عليك الإجابة على السؤال الأخير فقط أما إذا أردت معرفة السؤالين الأولَين فعليك بقراءة الكتاب ..:
لقد لخَّص العبودي دوافعه للسفر وحاجته إليه في أمر واحد فقط وهو (اكتشاف العالم بصحبة صديق) فأولى مهام الإعداد للسفر هي البحث عن رفيق مناسب لمكابدة أعباء الرحلة، وقد خصص لذلك فقرة في مستهل الكتاب صـ١١ بعنوان “الرفيق قبل الطريق” وثنَّى على هذا الاستفتاح بعنوان آخر وهو “عزم” وكأنه عندما وَجد الصديق المناسب تأهب للسفر ولو لم يجد لعزل عن الإقدام واستقر في مكانه ولفاته أن يرى تواضع الجبال من أعلى وهو في الطائرة وأن يتذوق ماءً مبرداً تبريداً كهربائياً أول مرة في حياته وأن يقارن بين القرى والمدن المحيطة ببريدة وكأنها في سباق وجودي وتطوري معها؛ فلا يكاد يرى العبودي شيئاً غير موجود في بريدة إلا ولسان حاله يقول: سبقونا ونحن من نحن عند أنفسنا!
ما استفدته أثناء قراءتي للكتاب هو تغير حاجة الإنسان للسفر وتغير دوافعه للارتحال من حين لآخر ، فإن كان المسافر قديماً يتغرَّب ليعود إلى موطنه الأصل ومعه “شهادة سائح” فإن المسافر اليوم يتغرب ليبقى وينشأ في موطنٍ جديد لا يعرفه ومعه “شهادة منشئ مشروع” كما حدث مع رغداء السلامة وشتَّان ما بينهما، والمقارنة هنا ليست بقصد التفاضل بل التكامل، فنتيجة رحلات العبودي أنتجت لنا إرثاً من الكتب في حين أن غربة رغداء السلامة أتاحت لـ١٢٨ قارئة في ٧ مدن أن يقرأن ذات الكتاب في توقيت واحد، تباعدهن الأماكِن وتجمع بينهن المكتبة.
حُبَّاً في الكتب:
تعريفاً بدوري الجديد وشخصيتي المستحدثة يمكنني الاعتراف بأنني على وشك أن أصبح صحفية رسمياً، ولكن “صحفية افتراضية” قولوا لحميدان إنو ما في ميدان، فبعدما عرضت على رغداء السلامة كتابة نشرة بريدية خاصة بمجالس حظوة رحَّبت بالفكرة وسهَّلت لي الوصول إلى القارئات وكان مفتاحي للحديث معهن هو واحد من اثنين:
المفتاح الأول: كيف تُقرأ الكُتب؟
المفتاح الثاني: كيف تُدار مجالس القراءة؟
وقد دارت بيني وبينهن اتصالات ومحادثات منفردة أسفرت عن رغبتي في خلق تجمُّع كبير لكل “الحظوات” من جميع الفروع، وهذا ما حدث، الإنصات لقصص البدايات، والانخراط في ظروف العمل، والحديث الرحب عن حُب القراءة، والاستياء من عدم استقرار مجالس القراءة على مقر واحد، وتمسيد صفحات الكتاب مرة واثنتان وثلاثة، والحضور الجهوري لاستعراض أفكار الكتاب على صورة “سواليف صديقات في مجلس أثير” والتواصل السهل مع كل قارئة لتحدثني عن تجربتها الشخصية في القراءة وتجربتها الغنية بالتفاصيل مع مجالس حظوة جعلتني أرسم خيالاً عريضاً طويلاً يشبة مدينة أفلاطون إلا أن اسمها “مدينة الأحلام” يجسد شكل الحياة في هذا المشروع الخلاق والمتنامي، فهل هناك من يشك في عدم حاجة مشروع واقعي كهذا إلى أن يوثَّق توثيقاً صحفياً وكتابياً؟ أما عني فقد تصديت لهذا التحدي، ومازلتُ مع كل دقيقة تمر، ومع كل كلمة أسمعها، ومع كل اسم جديد يرن على هاتفي أتيقن تماماً أني أسلك طريقاً غير مكتشف، لا يشبه طريق العبودي ولا رغداء لأنه طريق جمعي، دافعي من سلوكه هو الحديث بلسان الآخرين، وسأعبر عنه أيضاً بطريقة تشبه فرادة مشروع حظوة وجماليته، وكما كنتُ أقول “للحظوات” أنتم صناع الحكاية وأبطال القصة ورواة الحدث، وأنا ناقلة خبر لا أكثر، وعلى من يتابع النشرة من خارج مجالس حظوة أن يدرك أن هناك ما يستحق أن يُروى ويُحكى ويُخلَّد في الذاكرة، لتتلقاه الأيدي بالتصفيق، والأذهان بلفت الإنتباه، وليس من رأى كمن سمع، فهل علي أن أقول لكم انبهروا؟ سأتواضع قليلاً وأختم نشرتي بما استفتحته بها، لأخبركم أن هذه النشرة تصلكم من المدينة المنورة، تكتبها: أروى لافي الصاعدي بمشاركة قارئات مجالس حظوة جميعهن، وأخيراً يمكنني القول: من المدينة هنا كُلُّ المملكة.
توصية كاتبة النشرة:

مكتبة شهر محرم:

إعلان اللقاء:

إيميل التواصل الخاص بإدارة النشرة:
ha**********@ha****.com

