نشرة حظوة

الكاتبة: أروى لافي

العدد الثاني: داخل المكتبة خارج العالم

اقتطف المتنبي 10 سنوات من عنقود عمره ليُطعمَ الأدب من مفاخر الدولة الحمدانية، وما زال الشعر أنجع طريقةٍ ينتقلُ فيها القارئُ من حالة خلوٍّ ذهني إلى حالة من التشبع النفسي والفكري أنَّى جاع أو عطش، وأنا هُنا لا لأقولَ شعراً ولكن لأتمثَّلَ قول المتنبي:

لكَ الحمدُ في الدُرِّ الذي لي لفظُهُ
فـإنــكَ مُـعـطـيـهِ وإنـــي نــاظــمُ

وعلى سيرةِ المتنبي في توثيقِ أخبارِ الناسِ ورصفها فإني هُنا من قلب مجالس حظوة لأستفيق ملء القلب، وأنظم الشوارد والدرر، وأنطِقَ عما في خواطركم وأعلنها صراحةً: أنا أنت أيها القارئ فممَّ تعاني هذه اللحظة؟

الحياة المتسارعة
لو كانت السنةُ الهجريةُ جِسماً بشريَّاً لكان الشهرُ الذي نحنُ فيه الآن قلبُها النابض، لارتكاز الأنظارِ عليه، وضربِ أقدام الناس فيه للسفر نحو كل بقاعِ الأرض، فكيف حالُك أيها القارئُ المسافر؟ هل خبَّأت كتابك المفضل بينَ أمتعةِ السفر؟ هل وقعتَ في ورطة انقلاب وقتك رأساً على عقب ولم تجد من يساعدُك في حل مشكلتك؟ ثم هل جهزتَ خطَّةً تنتشلُك من الضياع الذي أنت فيه؟ يُقال أن أوَّل خطوات حلِّ المشكلةِ -بعد وقوعك فيها طبعاً- هو اكتشافها، وعند اجتماع قارئات حظوة حولي في مستهل الشهر أخبرتهن أني في طَور اختيار موضوع نشرة صفر، فبرزت القارئة الجنوبية سنا أمام ناظريَّ كنجمةٍ في السماء؛ لتقترح علي عنواناً مستقى من هموم المرحلة، بعد أن أودعت قارئات حظوة وكتابهن شمس الرياض المحرقة واعتنقت الأجواء الشتوية في النماص وولَّت مجلس النقاش ظهرها حتى يهدأ الكوكب، عندها بادرتِ القارئات بمناقشةِ هذا الموضوع بدءاً من عفكة الارتحال والتنقل وتوخياً لمداهمات الأهل والإخوة خصوصية وقتهن، واسترسالاً مع فقدهن السيطرة على الفوز بساعةٍ ذهبية من نهار، فما هي الحلول المقترحة لمصافحة الكتاب بدلاً من فراقه والإضراب عن السياحة المعرفية في الإجازة؟ تخبرني القارئة ليلى أنها تلجأ في أيام الإجازة إلى سماع الكتب الصوتية بدلاً من قراءتها، أما دلال فإنها تغتنم فرصة استغراق الجميع في النوم صباحاً كي تستيقظ وتفكر داخلَ الحياة خارج الزمان، واتفق الحظَوات على أن الساعة الذهبية في اليوم -حسب تعبير عبد الكريم بكار- هي في وقت الظهيرة بعد ما يناموا العيال! أما مها فقد فاجأتنا بقدرتها على الاستمرار في القراءة حتى في أيام الأعياد وأخبرتنا أنها تدسُّ الكتب في كل مكان كيلا تجد مفرَّاً من القراءة وهذا الفعل يمكن أن نسميه حِصار الهواية المحببة؛ فهي مشتركة في أبجد لتقرأ في السيارة عن طريق الجوال عندما تكون خارج المنزل، ومفعّلة خاصية “الستريك القرائي” في تطبيق نديم كيلا تنطفئ الشعلة، وفي الوقت الذي تدهده طفلتها الصغيرة فإن يدها الأخرى قد قررت الإمساك بكتابٍ صغير مُختار بعناية فائقة لهذه الدقائق المهدرة من العمر بالتحديد فبدلاً من قراءة الوجوه فإنها مشغوفة بخلق معنى من وجودها المتعدد، أما بدرية فقد اعتبرت انضمامها لـ”مجالس حظوة” أشبه بمبادرة إنسانية توفِّر الاحتياج اللازم والوقت الكافي للقارئ بأن يستسلم لضغط الحرف وسكَّر القراءة.

ملف سري للغاية
دعونا نتساءل بصوتٍ مسموع بيننا البين: هل نحنُ نقرأ لننعزل عن الناس أم نقرأ لنتواصل معهم؟ بمعنى آخر هل القراءة عملية اتصال أم انفصال عن الوجود؟ ولنحصل على إجابة واقعية ودقيقة فعلينا أن نتطلع إلى آراء القراء الكبار والأدباء المُخبرين عن حقيقة هذا الفن [فن القراءة] يخبرنا هنري ميللر عن طريق كتاب [داخل المكتبة خارج العالم] أن القراءة وسيلة لخلق تواصل بشري مع الآخرين، ويبدو أنه من الغرابة بمكان أن تكون القراءة فعلاً انعزالياً وتواصلياً في آنٍ معاً، وكمحاولةٍ تحايلية مني لتحوير هذا السؤال فقد أدرتُ عجلة التفكير لتضم ظرف الزمان والمكان وسألتُ الحظَوات عن تفسيرهن الشخصي للتعلق بالكتب في أشهر الإجازة الممتلئة بالرفاهيات المعيقة عن فعل أي شيء يستدعي التركيز، وكانت الإجابات كالتالي:

– الأرواح المنطلقة تثقلها حمل الأمتعة وضجيج المطارات، لاتتسعها الحدود الجغرافية هي أكبر بكثير منها، لاتملك متسع من الوقت يكفي لاتساعها المعرفي الذي تطمح له، لا شيء يشبع تلك الروح مثل الكتب، نجد فيها ما نريد كما نريد، نهرب من لهيب الشمس فنقرأ عن صقيع جبال الألب، وبعيداً عن صخب المدينة نعيش في أرياف الكتب، بعيداً عن تلك الصور الذهنية للقراءة (كوب قهوة ومساحة مخصصة وكنبه مريحة) نقرأ على كرسي الانتظار في العيادة.. في السيارة.. إلى أن نصل وجهتنا، نقرأ حتى يمضي الوقت المخصص لخبز كعكة العصر، إلى أن ينضج قدر العشاء ويقطع تفكيرنا صفارة القدر الكهربائي معلناً لحظة اللقاء مع الطبق الشهي.. إلى أن يحين قدوم ضيوفنا لعلنا نقتبس من تلك الصفحات شيئاً نثري به ذلك اللقاء.

تماضر، مجلس حظوة، فرع الظهران

– قد نسمي هذه الحالة (استراحة محارب) نشحن فيها طاقة جديدة نعود بعدها لدوامة الحياة، وقد لاحظت أن أغلب القارئات يجتمعن في صفات مشتركة كالهدوء والعزلة وتذوق الفن والرسم والأعمال اليدوية وكل هذا يحتاج لذهنٍ صافِ وعزلة جميلة يخلقها الكتاب.

ليلى، مجلس حظوة، فرع جدة.

– ما نأمله حينما نبحث عن كتاب ما هو أن نجد شخصاً يُماثِلُنا تماماً، بينما يعيش مآسٍ وأفراح لا طاقة لنا بها، ويحلم بأشياء تجعل حياتنا أكثر إنفتاحاً، وربما يكتشف أيضاً فلسفة أخرى للحياة تجعلنا أكفاء في مواجهة التجارب والمحن التي تعصف بنا كل مرة.

هنري ميللر، داخل المكتبة خارج العالم، صـ٦١

– بما أنها فكرة جديدة ماسبق تجربتها اعتقد أفضل تسمية (سياحة نفسية روحية) بما أن الجسد لم يتجول في بقاع الأرض هناك في داخله جولة من نوع خاص في بقاع شتى.

بدرية، مجلس حظوة، فرع بريدة

– تمثِّل لي القراءة نقطة وصل بين الناس والكتب، فلا أشهى وألذ علي من تناوبُ الدروس الحياتية بين جدتي والكتب، جدتي تصف لي الحياة وأنا أبحث عنها في بطون الكتب.

أروى لافي، مجلس حظوة الافتراضي

ماذا عنك أيها القارئ المسافر هل ما زلت تشك في قدرتك على الجمع بين القراءة والضرب في الأرض؟ هل ما زلتَ ترى تناحراً بين الفعلين؟ وهل القراءة بصورتها الراسخة تمثِّل لك فرصة للانعزال أم هي وسيلة اتصالٍ بشري؟ فكَّر بصوت عالٍ وشاركني تجربتك القرائية في هذا الصيف داخل المكتبة خارج العالم أو إن شئت فقل: داخل العالم خارج المكتبة.

توصية كاتبة النشرة:

مكتبة مجلس حظوة الافتراضي: للإنضمام

مكتبة شهر صفر:

إيميل التواصل الخاص بإدارة النشرة:
ha**********@ha****.com

التعليقات

6 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
ليلى القحطاني
6 شهور

رائعة كالعادة يا أروى❤️ولنا أن نقول أن القراءة حالة اتصال وانعزال بل هي عدة حالات انسانية فمنذ أن تمسكي بالكتاب تبحري بين السطور فتارة يأخذك شغف المعرفة إلى كهف العزلة وتارة ينثرك على شاطئ الحياة تتلمسين مايشبه ماقرأتي في حياتك تنتقين وتجربين .
يابنت لافي كلامك وافي وحرفك شافي ..سلام عليك ومنا عوافي🤍🤍🌹

أروى لافي
6 شهور

صح منطوقك يا ليلى، وأهلاً بك قارئة عزيزة للنشرة، ويتضح جليّاً من دقة وصف حديثك عن القراءة أنك اختبرتي طريقها طويلاً وذقتي مرارة الصعب فيه حتى فزتي بتذليله فاستقام لك، فهنيئاً لك بصديقك الكتاب وعمَّر الله ما بينكم من علائق🤍🤍✨

صالحة الشنيني
6 شهور

لذيذ حرفك يا أروى و أنيق هذا المقال غذى حواسي بطريقة منحتني تذكرة ذهاب وعودة لمكتبات العالم لك أن تتخيلي أن روحي سافرت وعادت ثم سافرت وعادت بالأبحار والغواص في روعة ما تكتبين سأنتظر مقالك القادم بحب ويتملكني شعور بالألفة مع حرفك وكلماتك كأنما نحن من كتبها وإياك … شكرا لك لختام هذا الصيف بهذا المقال مع مبدعات حظوة من مختلف مناطق المملكة … امتنان

أروى لافي
6 شهور

أهلا بك صالحة، وأسعد بك قارئة لنشرتي، وأمد لك يد الألفة والمحبة، إذا كان الحديث عن القراءة يخلب اللب ويتخطف عقولنا ويذهب بها إلى عالم الخيال الواسع فما بالك بفعل القراءة نفسه؟! إنها جنة العقول وفرحة القلوب🤍🤍✨

تماضر السريع
6 شهور

في حظوة.. الكتب حديثُنا، والكتّاب أعينُنا، والقارئات روحُ المكان. غابت أروى عن المجالس، لكن حضر قلمها، فجسّد مجلسنا نصًا حيًا يضج بالحضور.

أروى لافي
6 شهور

أهلا بك تماضر، صديقة حظوة والنشرة وكلُّ ما هو آت، أنا هنا بكم ولأجلكم، تتغير قوانين الحضور والغياب إذا تعلق الأمر بالكتابة عن عوالم القراءة 🤍🤍✨